عندما تتشكى شركات التسجيل من خطر "القرصنة" فهي لا تعني الهجوم المسلح على البحارة. إن ما يشكون منه هو مشاركة نسخ من الموسيقى، وهي الممارسة التي يشترك فيها ملايين الناس في روح من التعاون. تستخدم شركات التسجيل كلمة "قرصنة" للإساءة إلى المشاركة والتعاون بتشبيهها بالخطف والقتل والسرقة.
كُتب قانون حقوق النشر عندما مكّنت المطابع النسخ بكميات كبيرة لغرض تجاري عادة. كانت حقوق النشر مقبولة في ذلك الظرف التقني لأنها مثّلت تشريعًا صناعيًا، ولم تُقيّد قراء الكتب أو (لاحقًا) مستمعي الموسيقى.
بدأت شركات التسجيل في تسعينيات القرن التاسع عشر بيع تسجيلات موسيقية بكميات هائلة. سهّلت تلك التسجيلات الاستمتاع بالموسيقى ولم تتعارض مع الاستماع إليها. لم يكد يوجد خلاف على حقوق نشر تلك التسجيلات لأنها قيّدت شركات التسجيل وحدها ولم تقيد مستمعي الموسيقى.
تُمكّن تقنيات اليوم الجميع من إنشاء ومشاركة النُسخ، لكن شركات التسجيل تسعى لاستغلال حقوق النشر لحرماننا من هذه الميزة التقنية. إن القانون الذي كان مقبولا عندما قيّد الناشرين وحدهم يعتبر ظلمًا اليوم لأنه يمنع المواطنين من التعاون.
إن منع الناس من المشاركة يتعارض مع الفطرة البشرية، وكثيرًا ما تقع العبارة الأورويلية "النسخ سرقة" على أذان صماء. يبدو أن الوسيلة الوحيدة لمنع الناس من التشارك هي عبر حرب شعواء على التشارك، ولذا فإن شركات التسجيل تقاضي -عبر RIAA ("رابطة صناعة التسجيلات الأمريكية") وغيرها من الأذرع القانونية- المراهقين وتطالبهم بدفع مئات آلاف الدولارات بتهمة المشاركة. في نفس الوقت، أنتجت مؤامرات الشركات لتقييد وصول العامة إلى التقنية أنظمة إدارة القيود القمية المُصمّمة لتُقيّد المستخدمين وتجعل النسخ مستحيلا. من أمثلتها iTunes و أقراص DVD و Blueray (راجع DefectiveByDesign.org لمزيد من المعلومات). وعلى الرغم من أن هذه المؤامرات تعيق التجارة، إلى أن الحكومات تتعمد عدم وقفها.
ورغم ذلك تتواصل المشاركة. إن الدافع البشري نحو التعاون قوي. ولذلك فإن شركات التسجيل وغيرها من الناشرين يطالبون بوسائل أقوى لمعاقبة المتشاركين. لقد اعتمدت الولايات المتحدة قانونًا في أكتوبر 2008 يُشرّع مصادرة الحواسيب التي تُستَخدم في المشاركة الممنوعة؛ ويدرس الاتحاد الأوروبي مقترحًا لفصل الإنترنت عمّن يُتهم بالمشاركة (دون الحاجة إلى أن يثبت عليه ذلك). راجع laquadrature.net إذا أردت المساعدة في معارضته. اعتمدت نيوزلندا في 2008 بالفعل قانونًا مماثلا.
سمعت في مؤتمر أفلام قبل فترة وجيزة عن مقترح يطالب الناس بالإفصاح عن هويتهم ليتاح لهم الاتصال بالإنترنت، سوف تسهم هذه الرقابة أيضًا في سحق المعارضة وإلغاء الديمقراطية. أعلنت الصين اعتماد مثل هذه السياسة في مقاهي الإنترنت، فهل سيعقبها الاتحاد الأوروبي؟ اقترح نائب في المملكة المتحدة سجن الناس عشر سنوات على المشاركة. لم يتم اعتماد هذا المقترح (إلى الآن). في نفس الوقت، يُطلب من الأطفال الوشاية بوالديهم (بأسلوب يشبه الأسلوب السوفيتي) عن النسخ غير المصرح بها. يبدو ألا حدود للوحشية التي ستنتهجها صناعة حقوق النشر في حربها على المشاركة.
حجة شركات التسجيل الأولى لمنع المشاركة هي أنها تسبب "خسارة" في الوظائف. لقد تبين أن هذا الادعاء ليس سوى ضرب من التخمين(1). لكن حتى لو كانوا صادقين، فهذا لا يبرر الحرب على المشاركة. هل يجب أن نمنع الناس من تنظيف منازلهم لنتفادى "الخسارة" في وظائف العمال؟ أو نمنع الناس من الطبخ لأنفسهم أو مشاركة الوصفات لنتفادى "الخسارة" في وظائف المطاعم؟ هذه الحجج سخيفة لأن "العلاج" أشد ضررًا بكثير من "الداء".
تزعم شركات التسجيل أيضًا أن مشاركة الموسيقى تسلب المغنين المال. يعتبر هذا الادعاء من أنصاف الحقائق التي تعتبر أسوأ من الكذب، إلا أن الحقيقة فيه أقل بكثير من النصف.
حتى لو قبلنا بافتراضهم أنك لو لم تُنزّل بعض المقاطع الموسيقية لكنت اشتريت نسخة منها (وهو الافتراض الذي الأصل فيه الخطأ ونادرًا ما يصح)، فإن الموسيقيين ذوي التاريخ العريق والمشهورون جدًا هو وحدهم من سيجني مالًا مما اشتريته. إن شركات التسجيل تحد الموسيقيين في بداية مسيرتهم على القبول باتفاقيات استغلالية تشمل 5 أو 7 ألبومات معًا. لا تكاد أن تصل مبيعات أي تسجيل يُنشر تحت هذه الاتفاقيات إلى كمية تكفي ليحصل الموسيقييون على سنت واحد منها. لمزيد من التفاصيل راجع هذه الوصلة. إذا تجاهلنا ذوي التاريخ العريق والمشهورين جدًا فإن المشاركة لا تنقص سوى الدخل الذي تستغله شركات التسجيل في محاكمة محبي الموسيقى.
أما الموسيقيون الذين لا تستغلهم اتفاقياتهم (ذوو التاريخ العريق والمشهورون جدًا) فلا مشكلة خطيرة للمجتمع ولا للموسيقى إذا أصبحوا أقل غنية بقليل. هذا لا يبرر الحرب على المشاركة. ونحن (العامة) يجب أن نضع حدًا لها.
يقول البعض أن شركات التسجيل لن تنجح أبدًا في إيقاف الناس عن المشاركة وأن هذا مسحيل(2). بالنظر إلى التفاضل بين قوة جماعات ضغط ("لوبيات") شركات التسجيل ومحبي الموسيقى، فإني لا أثق بتوقع من سيفوز في هذه الحرب؛ على كل حال، إن الاستهانة بالعدو خطأ. يجب أن نتوقع أن كلا الطرفين لهما إمكانية النصر وأن الناتج متعلق بنا نحن.
أيضًا حتى لو لم تنجح شركات التسجيل في سحق التعاون البشري فإنها تسبب الكثير من المعاناة بمجرد محاولتها ذلك، وهي عازمة على إحداث المزيد. بدلا من أن نسمح لهم بمواصلة الحرب على المشاركة حتى يعترفون أنها عقيمة، يجب أن نوقفهم في أقرب وقت ممكن. يجب أن نُشرّع المشاركة.
يقول البعض أن مجتمع الإنترنت لم يعد بحاجة إلى شركات التسجيل. أنا لا أدعم هذا الرأي. إني أرغب في شراء أسطوانات -بشكل مجهول- من متاجر التسجيلات، لكني لن أدفع مقابل تنزيل الموسيقى حتى أتمكن من القيام بذلك بشكل مجهول. لا آمل أن يُقضى على شركات التسجيل كلها، لكني لن أتخلى عن حريتي لأجل أن تبقى.
إن غرض حقوق نشر -للتسجيلات الموسيقية وغيرها- سهل وواضح: أن تُشجّع الكتابة والفن. إن هذا الغرض مقبول، لكن ثمة حدود على ما يمكن تبريره به. إن إيقاف الناس على المشاركة غير التجارية غير مقبول. إذا أردنا تشجيع الموسيقى في عصر شبكات الحاسوب فعلينا اختيار الوسائل التي تتناسب مع ما نريد القيام به بالموسيقى، ومن ذلك مشاركتها.
أدناه بعض المقترحات لما يمكن القيام به:
يمكن أن ندعم الفنانين الموسيقيين بنفقات عامة تُوزّع مباشرة عليهم وفق الجذر التربيعي لشهرتهم. استخدام الجذر التربيعي يعني أنه إذا كان الفنان الشهير "أ" أشهر ب1000 مرة من الفنان "ب"، فإن "أ" سوف يحصل على 10 أضعاف ما سيحصل عليه "ب" من نفقات الضرائب. إن هذه الوسيلة تضمن تعدد أنواع الموسيقى.
يجب أن يضمن القانون أن شركات التسجيل لا تصادر هذه النفقات من الفنانين، لأن التجربة أظهرت أنها ستسعى إلى القيام بذلك. إن "تعويض أصحاب الحقوق" ما هو إلا قناع لإعطاء معظم المال لشركات التسجيل باسم الفنانين.
يمكن أن تؤخذ النفقات من الميزانية العامة، أو من ضريبة خاصة مرتبطة بشكل غير مباشر بمن يستمع إلى الموسيقى، كضريبة على الأقراص الفارغ أو على الاتصال بالإنترنت. كلا الطريقتين سوف تؤدي المهمة.
"Mécénat Global" خطة مشابه جزئيًا.
ادعموا الفنانين بدفعات طوعية. هذه الوسيلة ناجحة لبعض القنانين مثل Radiohead و Nine Inch Nails و Jane Siberry (sheeba.ca)، رغم استخدامها نظامًا ليس سهلا يتطلب من المشتري امتلاك بطاقة ائتمان.
لو تمكن كل عاشق للموسيقى من الدفع بسهولة باستخدام أوراق نقدية رقمية، ولو احتوى كل مشغل موسيقى زرًا يمكنك عبر نقره إرسال يورو واحد إلى الفنانين الذين أنتجوا المقطوعة التي تستمع إليها، ألن تنقره أحيانًا، ربما مرة كل أسبوع؟ الفقراء والبخلاء جدًا وحدهم سوف يحجمون.
قد تكون لديك بعض الأفكار الجيدة الأخرى. دعونا ندعم الموسيقيين ونُشرّع النسخ.
1. راجع هذه المقالة، لكن تنبه إلى أنها تستخدم المصطلح الدعائي "الملكية الفكرية"، والذي ينشر اللبس بجمع قوانين غير مرتبطة ببعضها. راجع هذه الوصلة لمعرفة السبب في أن استخدام هذا المصطلح ليس جيدًا أبدًا في أية حال.
2. راجع the-future-of-copyright.
osamak@gnu.org
حقوق النشر 2009 Richard Stallman
هذا العمل مُرخص تحت رخصة Creative Commons Attribution Noderivs النسخة 3.0.